وهبة الزحيلي
197
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
على مثل هذا إلا الله عزّ وجلّ ، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل ، قال تعالى : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ؟ هذا السؤال عن العصا سؤال تقرير ، سأله الله تعالى لموسى عليه السلام وهو العليم به ، للتنبيه على كمال قدرة الله ، والتأمل بما يحدثه من خوارق العادات ، والتأكد من أنها هي عصاه الحقيقية التي يعرفها ، وأنها هي التي ستتحول حية تسعى ، وإلا فقد علم الله ما هي . والمعنى : أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها ، فسترى ما نصنع بها الآن ؟ ! فأجابه موسى بالمطلوب وزاد عليه ؛ لأنه استمتع بخطاب الله تعالى ، فقال : قالَ : هِيَ عَصايَ قال موسى : هي عصاي ، وبه تم المراد ، ولكن موسى عليه السلام ذكر فائدتين لها ، وأجمل الكلام في الجملة الثالثة ، ليسأله ربه : وما هذه المآرب . أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها ، وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ، وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى هذه عصاي أعتمد عليها في حال المشي ، وأخبط بها الشجر وأهزه ليسقط منه الورق لتأكله الغنم ، ولي فيها مصالح ومنافع وحوائج أخرى غير ذلك ، كحمل الزاد والسقي وطرد السباع عن الغنم ، وغير ذلك ، فمنافع العصا كثيرة معروفة . فأمره الله بإلقائها لتظهر المعجزة : قالَ : أَلْقِها يا مُوسى قال تعالى لموسى عليه السلام : ألق هذه العصا التي في يدك يا موسى . فَأَلْقاها ، فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى فألقاها موسى على الأرض ، فإذا هي قد صارت في الحال حية عظيمة ، ثعبانا طويلا ، يتحرك حركة سريعة ، وفي آية أخرى : فإذا هي تهتز كأنها جان ، وهو أسرع الحيات حركة ، ولكنه صغير ، قال تعالى : فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ ، وَلَّى مُدْبِراً ، وَلَمْ يُعَقِّبْ [ النمل 27 / 10 ] لما ظهر لها من سرعة الحركة والقوة ، لا لصغرها ، فتبين أن هذه الحية في غاية الكبر وفي غاية سرعة الحركة . وقوله تَسْعى تمشي وتضطرب .